الذبابة داخل الكوب — من زاوية إنسانية وعاطفية

ذبابة سقطت في كوب قهوتي… هي ليست كارثة كونية، لكنها قد تكشف الكثير عننا وكيف نتعامل مع المواقف الصغيرة التي.

ذبابة سقطت في كوب قهوتي…

هي ليست كارثة كونية، لكنها قد تكشف الكثير عننا وكيف نتعامل مع المواقف الصغيرة التي تزعجنا.

بعض الأشخاص عندما تسقط الذبابة في كوب القهوة يثورون، يسبّون، يشتمون، يبالغون في ردّة الفعل وكأن العالم انقلب رأسًا على عقب. يخرجون من الصمت إلى ضجر، ومن الضجر إلى دويّ انفجار عاطفي.

وهكذا هم البشر:

منهم من يبالغ في ردّة الفعل.

ومنهم من يلعب دور الضحية دائمًا، يشعر أن الحياة تستقصد إيذاءه.

ومنهم من يحب السيطرة ويتصرف بقوة مبالغ بها.

ومنهم من يكون مسيطرًا عليه، لا يعرف كيف يدافع عن حدوده.

ومنهم الأكثر نضجًا… المتصالح مع فكرة توازن القوة في العلاقات الإنسانية.

في العلاقات الإنسانية هناك من يحب الأخذ دائمًا…

وهناك من يرهقه العطاء المستمر…

وكما يقول المثل العامي:

إذا صار صاحبك عسل لا تلحسه كله.

فالتوازن فضيلة.

العلاقة الصحية هي تلك التي تسمح بالأخذ والعطاء دون استغلال، وباللطف دون ضعف، وبالقوة دون قسوة.

الذكاء العاطفي يعني أن نهدأ بدل أن ننفجر،

نستوعب بدل أن نتهم،

ونتحدث بوعي بدل أن نصمت حتى نتعب.

الهدوء… التوازن… المرونة النفسية…

هذا هو الفرق بين شخص تسقط الذبابة في كوب قهوته فتفسد يومه كله،

وبين آخر يبتسم، يفهم نفسه، يفهم الموقف،

ويكمل يومه بقلب أهدأ ونفس أوسع.

عزيزي المبالغ والمبالِغة في ردود الفعل…

عندما تسقط الذبابة في كوب قهوتك لا يعني ذلك أنك سقطت من الدور العاشر، ولا أن الدنيا انتهت،

ولا أن محصول البن أصابه القحط في العالم.

رفقًا بنفسك وبمن حولك…

كيف نتعامل بين الصمت أو التغافل أو الشكوى أو اللطم والاعتراض على القدر؟

كيف لا نشبّك مآسي الحياة في بعضها ونحوّل حادثة صغيرة إلى مأساة كبرى؟

أحيانًا — نعم — نشكر الذبابة لأنها سقطت في كوب القهوة…

لأنها كشفت ما بداخلنا،

ولأننا أصلًا كنا بحاجة للتنفيس عن غضب وقهر وضجر ووضع لا يستطيع الإنسان احتماله طويلًا.

فنوعية تصعيد الإنسان تعتمد على مدى مرونته النفسية في تلك اللحظة.

هل هو مستاء؟ غضبان؟ حزين؟

هل سيصعّد ويحوّل الذبابة إلى عاصفة…

أم يراها ضيفًا ثقيلًا… يرميها بهدوء… ثم يصنع كوبًا جديدًا ومختلفًا؟

هذه هي الحكمة…

أن نمتلك مرونة نفسية تُمكّننا من رؤية حجم الأشياء الحقيقي،

والتعامل معها بوعي واتزان ورحمة مع الذات والآخرين.

وأحيانًا…

ليست الذبابة هي ما أزعجنا فعلًا،

بل ما نحمله في داخلنا من تراكمات لم تجد طريقها للخروج.

قد تكون الذبابة مجرد شرارة…

أشعلت ما كان مكتومًا،

وأظهرت لنا حجم التعب الذي نحاول تجاهله.

لهذا…

لا نحاكم أنفسنا بقسوة على ردّة فعلنا،

لكننا أيضًا لا نتركها تقودنا.

نسأل أنفسنا بلطف:

هل كان غضبي من الذبابة… أم من أشياء أخرى أكبر منها؟

هل أنا متعب… أم فقط منزعج؟

فالوعي لا يمنع الانفعال…

لكنه يهذّبه،

ويحوّله من فوضى إلى فهم،

ومن ردّة فعل إلى استجابة.

وفي كل مرة تسقط فيها “ذبابة” في يومنا…

لدينا فرصة جديدة،

لنفهم أنفسنا أكثر،

ونختار كيف نكون…

لا كيف نُستفز.

وفي النهاية…

ليست القهوة هي ما تغيّر طعمها،

بل نحن… حين نسمح للأشياء الصغيرة أن تعبث بسلامنا الداخلي.

كل موقف عابر…

هو فرصة لنعرف أنفسنا أكثر،

ونتدرّب على أن نكون أهدأ، أعمق، وأوعى.

د. بسمه راشد الغفيلي

أستاذ مشارك – مدرب ومستشار في الذكاء العاطفي

Tags :

About Author

Dr. Basmah Alghufali is a behavioral intelligence coach with years of experience helping individuals and organizations develop self-awareness, empathy, and emotional regulation skills.

Search Article

Categories

More Articles to Read