تقدم قصة ملكة سبأ في سورة النمل نموذجًا قياديًا متقدمًا يجمع بين الحكمة السياسية والذكاء العاطفي في إدارة المواقف المعقدة.
ومن خلال تحليل مواقف بلقيس يمكن ملاحظة توافق واضح مع أبعاد الذكاء العاطفي القيادي كما طرحها دانيال قولمن (Daniel Goleman)،
مثل الوعي الذاتي (Self-Awareness) وإدارة الذات (Self-Management) والوعي الاجتماعي (Social Awareness) وإدارة العلاقات (Relationship Management).
القيادة التشاورية
Participative Leadership
يتضح الأسلوب القيادي لبلقيس من اعتمادها مبدأ الشورى في اتخاذ القرارات المصيرية، إذ لم تنفرد بالرأي رغم سلطتها السياسية. قال تعالى:
﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ (النمل: 32).
يعكس هذا الموقف نمط القيادة التشاركية التي تقوم على إشراك أصحاب الخبرة في تحليل القرار وتعزيز الثقة بين القائد وفريقه القيادي.
إدارة المخاطر واتخاذ القرار
Risk Management & Strategic Decision-Making
عندما وصل كتاب سليمان عليه السلام إلى بلقيس لم تتجه مباشرة إلى المواجهة، بل اختارت أسلوباً استراتيجياً لتقليل المخاطر. قالت:
﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: 35).
يعكس هذا القرار ممارسة مبكرة لإدارة المخاطر، حيث استخدمت بلقيس إرسال الهدية كوسيلة دبلوماسية لاختبار نوايا الطرف الآخر قبل اتخاذ قرار الحرب أو السلم.
كما يظهر بوضوح في هذا الموقف بُعد آخر من أبعاد إدارة المخاطر الاستراتيجية؛ إذ أرسلت بلقيس هدية عظيمة من مملكة سبأ في اليمن إلى الملك سليمان عليه السلام في فلسطين، تمثلت في قوافل محمّلة بالمعادن النفيسة والموارد الثمينة. وكانت مملكة سبأ معروفة بقوتها الاقتصادية وثرائها الكبير نتيجة ما تمتلكه من موارد وتجارات مزدهرة. وقد هدفت بلقيس من هذه الهدية الفخمة إلى جسّ نبض الملك سليمان ومعرفة طبيعة موقفه ونواياه الحقيقية؛ هل هو ملك يسعى إلى التوسع السياسي أم نبي يحمل رسالة إلهية. ويعكس هذا التصرف مستوى متقدماً من التفكير الاستراتيجي وإدارة المخاطر، حيث استخدمت وسيلة دبلوماسية ذكية لاختبار الموقف قبل اتخاذ أي قرار قد يقود إلى صراع أو مواجهة.
ويرتبط هذا السلوك بما ورد في قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (النمل: 35)، حيث يظهر في هذا التصرف بُعد من أبعاد الذكاء العاطفي القيادي كما تشير إليه نماذج دانيال قولمن (Daniel Goleman)، وخاصة مهارة إدارة العلاقات (Relationship Management) والوعي الاجتماعي (Social Awareness)، إذ استخدمت بلقيس الدبلوماسية والقراءة الدقيقة للموقف قبل اتخاذ قرار استراتيجي قد يغيّر مصير المملكة.
إدراك آثار الحروب وتقديم المصلحة العامة
Strategic Awareness & Public Interest Leadership
أظهرت بلقيس إدراكاً عميقاً لنتائج الحروب على المجتمعات عندما قالت:
﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ (النمل: 34).
يكشف هذا القول عن وعي سياسي واجتماعي متقدم، حيث قدمت مصلحة المجتمع واستقراره على اعتبارات الكبرياء الملكي، وهو ما يعكس قيادة واعية توازن بين السلطة والمسؤولية.
إدارة العلاقات والصراعات
Relationship Management & Conflict Management
اختارت بلقيس الدبلوماسية وسيلة للتعامل مع الموقف، وهو ما يعكس مهارة واضحة في إدارة العلاقات السياسية واحتواء الصراعات.
فقد سعت إلى فتح قنوات التواصل قبل التصعيد، وهو أسلوب يعكس قدرة قيادية على إدارة الخلافات بطريقة تقلل من احتمالات المواجهة العسكرية.
الفطنة الإدراكية
عندما وصلت بلقيس إلى مجلس سليمان عليه السلام عُرض عليها عرشها بعد أن أُجري عليه بعض التغيير. قال تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (النمل: 41–42).
تكشف إجابة بلقيس عن مستوى عالٍ من الفطنة الإدراكية والذكاء التحليلي؛ إذ لم تقل نعم فيكون حكمها متسرعًا، ولم تقل لا فتكون قد نفت احتمال كونه عرشها. بل استخدمت تعبيرًا دقيقًا هو «كأنه هو»، وهو تعبير يجمع بين الإدراك والاحتياط في الحكم.
ويُظهر هذا الرد قدرة قيادية على قراءة الموقف وتحليل المعطيات قبل إصدار حكم نهائي، خاصة أن عرشها كان عرشًا عظيمًا مزينًا بالذهب والفضة والياقوت وسائر أنواع الجواهر النفيسة، ومحاطًا بإجراءات حماية شديدة وقيل إنه كان محفوظًا خلف عدة أبواب وحراسة مشددة.
لذلك أدركت أن وجوده أمامها في مجلس سليمان أمر غير معتاد، فاختارت صيغة لغوية تعكس الوعي والتحليل وعدم التسرع في إصدار القرار.
ويمثل هذا الموقف مثالًا واضحًا على الحكم النقدي والذكاء الإدراكي لدى القائد؛ حيث يجمع بين ملاحظة التفاصيل وإدراك الاحتمالات والتعبير المتزن الذي يترك مساحة للتأكد قبل إصدار الحكم القطعي، وهو ما يتوافق مع بعد الوعي المعرفي في نماذج القيادة المعاصرة والذكاء العاطفي.
عندما وصلت بلقيس إلى مجلس سليمان عُرض عليها عرشها بعد تغييره. قال تعالى:
﴿فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ﴾ (النمل: 41–42).
تعكس إجابة بلقيس درجة عالية من الفطنة الإدراكية والحذر في الحكم؛ إذ لم تتسرع في إصدار حكم قطعي بل استخدمت تعبيراً يدل على التفكير التحليلي والوعي بالموقف.
المرونة القيادية والوعي الذاتي
Adaptive Leadership & Self-Awareness
بلغت القصة ذروتها عندما أدركت بلقيس حقيقة رسالة سليمان عليه السلام، فقالت:
﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (النمل: 44).
يعكس هذا الموقف مرونة قيادية عالية وقدرة على مراجعة الذات وتغيير الموقف عندما تتضح الحقيقة، وهو ما يعرف في نظريات القيادة الحديثة بالقيادة التكيفية.
خلاصة
تكشف قصة بلقيس عن نموذج قيادي يجمع بين الحكمة السياسية والذكاء العاطفي وإدارة المخاطر في اتخاذ القرار.
فقد مارست القيادة التشاورية، وأظهرت وعياً استراتيجياً بآثار الحروب، واستخدمت الدبلوماسية لإدارة الصراعات،
كما اتسمت قيادتها بالمرونة والقدرة على مراجعة المواقف وفق المعطيات الجديدة.