للمدن أرواح كأرواح البشر

المدن كالأشخاص؛ نقترب من بعضها فنشعر بأنفاسها الدافئة، وننجذب لطرقها ومقاهيها وحدائقها، كأنها تحتضننا بلا مقدمات، بينما مدن أخرى –.

المدن كالأشخاص؛ نقترب من بعضها فنشعر بأنفاسها الدافئة، وننجذب لطرقها ومقاهيها وحدائقها، كأنها تحتضننا بلا مقدمات، بينما مدن أخرى – مهما بذلنا فيها من جهد لخلق راحة أو متعة – تبقى باردة، ثقيلة، لا تفتح لنا أبوابها ولا تمنحنا دهشتها الأولى. تلك المدن التي نعبرها دون أن يلمسنا شيء فيها، وكأنها تقول لنا بصوتٍ خفي: لسنا لبعضنا.

وللمدن، كما للبشر، أرواح. روح لطيفة، مرنة، تعطي وتُشعرك بالأمان، وروح أخرى قاسية أو متحكمة أو صامتة بلا نبرة. بعض المدن تشبه صديقًا قديمًا؛ نصلها فننسى تعب الطريق ونستعيد قدرتنا على التنفس، بينما مدن أخرى تشبه ذلك الشخص الذي لا نرتاح له منذ اللقاء الأول؛ تباعدًا لا تفسير منطقي له سوى أن الأرواح لا تتناغم.

التناغم هو سر الحكاية. ليس بين البشر فقط، بل بين الإنسان والمكان والحيوان والنبات. فبعض النباتات تذبل حين نضعها في ركن لا يشبهها، وكأن روحها تحتج على المكان، بينما نبات آخر يزدهر حين نضعه عند مدخل البيت، فرحًا بمن يعبرون. وبعض الحيوانات تمنح مربيها حبًا خالصًا وولاءً عجيبًا يشبه العِشرة الصادقة، بينما أخرى تظل علاقة معها علاقة حيادية؛ تبادل احتياجات لا أكثر.

الأرواح هي المحرك العميق للتوازن. حين نفهمها، نفهم لماذا ننجذب لأماكن دون أخرى، ولماذا نشعر بالسكينة مع أشخاص ونثقل مع آخرين، ولماذا نبتهج مع كائنات أو أماكن محددة دون غيرها. الأرواح تقول لنا دائمًا: هنا ستسعد، وهنا لن تُثمر، وهنا ستستعيد نفسك.

وحين نصغي لنداء الأرواح – أرواح المدن والبشر والكائنات – نصغي في الحقيقة لنداء أرواحنا نحن، فنمشي نحو ما يشبهنا، وما يمنحنا سلامًا يشبه البيت.


مع خالص التحية،
د. بسمه راشد الغفيلي

Tags :

About Author

Dr. Basmah Alghufali is a behavioral intelligence coach with years of experience helping individuals and organizations develop self-awareness, empathy, and emotional regulation skills.

Search Article

Categories

More Articles to Read