سورة طه والذكاء العاطفي الإداري: قراءة قيادية في التمكين والإدارة والتأثير

(طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) من أكثر المشاعر الإنسانية التي تحبس الإنسان من التطور الخوف في قفص الانتقاص، والخوف.

(طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى)

من أكثر المشاعر الإنسانية التي تحبس الإنسان من التطور الخوف في قفص الانتقاص، والخوف من الفشل، والخوف من القادم، والخوف من المجهول، والخوف من الغريب، والخوف من التغيير، والرهبة، ومشاعر الذعر من الانتقال لبلد آخر أو شريك آخر أو عمل آخر أو حياة أخرى. فلدى الكثير منا فكرة الخوف من الموت والانتقال للحياة الأخرى جنة أو نار

أكتب مقالي هذا وأنا أستجمع قواي رهبة وخشية من الله سبحانه وتعالى، ولكن سورة طة أثرت فيَّ كإنسان وكبسمة وكقائد مؤثر

صفات الله العظيمة: (له ما في السماوات والأرض وما بينهما وما تحت الثرى). الله أكبر كم هو وصف عظيم عجيب في تحليله ولذة لا توصف في شرحه وربطه في الحياة والمشاكل اليومية والقضايا العالمية الكبيرة من الهدر الغذائي لمشاكل الفقر ولمشاكل طبقة الأوزون والاحتباس الحراري ولمشاكل الإنسان والصحة النفسية ومشاكل البطالة ومشاكل الدول والحروب والصراعات والقيادة السياسية، والتيارات الدينية العقائدية المختلفة

ففي الآية (وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) كانت هناك إشارة إلى فكرة العلاقات الإنسانية وفهم المشاعر والتوقعات. ويمكن هنا توسيع الفكرة بالقول: توجد قاعدة صعبة التطبيق في العلاقات الإنسانية بما يسمى بقانون التوقعات المتبادلة والمرونة للاستمرار بالأخذ والعطاء بين البشر؛ فالعلاقات الإنسانية لا تقوم فقط على الفهم، بل على إدارة التوقعات والتعامل بمرونة مع الاختلافات والتغيرات النفسية والسلوكية بين الناس.

(وهل أتاك حديث موسى * إذ رأى نارًا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارًا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى)

نودي يا موسى، كيف لإنسان أن يناديه سيد الخلق الجبار العظيم. مشاعر سيدنا موسى عليه السلام

الآداب في القيادة والإدارة: الله سبحانه وتعالى أمره (إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى) ثم قال (وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى)

وهنا يظهر تفسير واضح وجلي في تطبيق عادات البروتوكول والآداب القيادية؛ فخلع النعال أمام المكان المقدس يعكس احترام المكان وتحديد قدسيته وتسمية اسم المكان (الواد المقدس طوى). وهذه إشارة قيادية وإدارية عميقة إلى أهمية بروتوكولات المكان واحترام السياق الذي يتم فيه اللقاء أو الحوار، فكل بيئة لها آدابها وإشاراتها الرمزية التي تضبط السلوك القيادي

كيف في الذكاء العاطفي من المهارات الذهبية التي يغفلها كثير من الناس مهارات الاستماع والإنصات فقط من دون تحليل أو مقاطعة أو تفسير أو لوم أو تجريم أو تنظير أو نصائح طائرة. فقط (فاستمع لما يوحى)

الله سبحانه وتعالى عظيم شأنه وسلطانه عرف عن نفسه وقال

(إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري * إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى)

كثير منا في الاجتماعات لا يعرف بنفسه أو باسمه أو في مجالس اجتماعية أو مع أشخاص أول مرة نلتقي بهم، فمن أهم مهارات الذكاء العاطفي التعريف باسمك ومن أنت كإنسان

(وما تلك بيمينك يا موسى)

(هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى)

فالعبرة تكمن في عدم الإفصاح بكل شيء مع كل أحد. كان موسى يخاطب الله سبحانه وتعالى ولم يذكر المآرب الأخرى. فالعبرة استناداً لقاعدة عظيمة في القيادة وهي: لمح ولا تصرح، فلابد أن يكون عنصر الغموض موجوداً تحسباً للظروف والمتغيرات المحيطة بحياة الإنسان

النبي موسى عليه السلام لم يفصح عن كل شيء، والله سبحانه لم ينتهك خصوصيته. الله أكبر مشهد قرآني عظيم فيه احترام للمساحة الشخصية والمنطقة الرمادية في حياة الإنسان

(قال ألقها يا موسى * فألقاها فإذا هي حية تسعى)

(قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الأولى)

في الذكاء العاطفي ومشاعر الخوف الإنسان لا يريد إلا التطمين، لا يحتاج نصائح كثيرة ولا ملامة؛ لأن الإنسان في الخوف يكون في أضعف حالاته

وهنا تظهر مهارة التعامل مع الخوف وعدم الاستسلام له؛ بل التصدي له برباطة الجأش والحلم والاتزان والتنفس العميق. فهذه أدوات نفسية مهمة حتى لا تتحول مشاعر الخوف إلى نوبات ذعر أو حالات انسحاب أو عزلة. فالذكاء العاطفي الإداري يعلم القائد كيف يثبت نفسه ويهدئ مشاعره ويعيد الترسيه النفسية داخله حتى يستطيع اتخاذ القرار بثبات

(اذهب إلى فرعون إنه طغى * فقل له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى)

آية عجيبة؛ النصيحة بالذكاء العاطفي، فقد أمر الله موسى باستخدام اللغة اللينة اللطيفة التي تحرك المشاعر

(إنني معكما أسمع وأرى)

وفي هذا الخطاب القرآني تتجلى معاني المساندة الإلهية والتوكيدات والترسيه النفسية للقائد حتى يثبت ويطمئن ويكمل الطريق

قال:

(رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيراً من أهلي * هارون أخي)

في هذا الخطاب القرآني العظيم تتجلى أهمية الصحة النفسية وانشراح الصدر حتى يستطيع الإنسان التأثير والقيادة.

ولا يمكن أن يكون الإنسان في منظومة القيادة وحيداً؛ فهو يحتاج أحلافاً ومساعدين ومساندين وموجهين لأننا كبشر نحيا بكلمة ونموت بنظرة.

فائدة الأهل والعزوة والأصدقاء والزملاء في السند كنظام اجتماعي وقيادي عظيم، معهم وبهم يستطيع الإنسان تجاوز التحديات وتذليل الصعوبات.

(وألقيت عليك محبة مني)

وتشير هذه الآية كذلك إلى أهمية فكرة الكاريزما والقبول في الإدارة والقيادة؛ فالقائد لا يعتمد فقط على السلطة أو القرار، بل على القبول الإنساني والأثر العاطفي الذي يتركه في الآخرين. فالمحبة والقبول عنصران أساسيان في صناعة التأثير وترك الأثر القيادي المستدام.

كيف أن عامل المحبة عنصر مهم في الذكاء العاطفي وعنصر مهم في رحلة التمكين الإنساني.

(ولتصنع على عيني)

كم منا يرغب أن يلمع ليراه إنسان آمن به ورأى فيه التفرد والاختلاف.

(فأوجس في نفسه خيفة موسى)

عادت مشاعر الخوف مرة أخرى، ولكن جاء التطمين الإلهي والترسيه القوية:

(لا تخف إنك أنت الأعلى)

فالخوف شعور إنساني، لكن التعامل معه يكون برباطة الجأش والصبر والاتزان وعدم الاستسلام له

(وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى)

مشهد عظيم في المساندة والنصر. ويوجد أدوات للنصر في الذكاء العاطفي الإداري مثل رباطة الجأش والهدوء والتوكيدات النفسية والترسيه القيادية للهدف حتى لا يكون هناك تراجع أو خط رجعة

الدنيا لا تنتهي عند الخطأ، وكل الأخطاء يمكن تصحيحها، والإنسان يحاول ويتمرن ويتدرب على مهارات الذكاء العاطفي ليتمكن من العيش والتعامل مع الواقع المعاصر

د.  بسمه راشد الغفيلي

Tags :

About Author

Dr. Basmah Alghufali is a behavioral intelligence coach with years of experience helping individuals and organizations develop self-awareness, empathy, and emotional regulation skills.

Search Article

Categories

More Articles to Read