فن العلاقات الإنسانية

فن العلاقات الإنسانية تمرّ العلاقات الإنسانية بمراحل متغيّرة، تبدأ غالبًا بشخصٍ غريب، ثم مرحلة إعجاب وارتياح، يتبعها بذل واهتمام، ثم.

فن العلاقات الإنسانية

تمرّ العلاقات الإنسانية بمراحل متغيّرة، تبدأ غالبًا بشخصٍ غريب، ثم مرحلة إعجاب وارتياح، يتبعها بذل واهتمام، ثم تعوّد ومساندة، وقد يصل الإنسان فيها إلى المجازفة والمخاطرة لإسعاد الطرف الآخر. لكن مع مرور الوقت قد يصيب العلاقة فتور أو برود، فتتداخل فيها مشاعر متناقضة وتؤثر عليها متغيرات كثيرة مثل العمر، والوضع الاجتماعي والاقتصادي، واختلاف الطباع بين الذكر والأنثى. فالسلوك الإنساني معقّد، وكذلك العلاقات.

حتى العلاقة بين الأم وأبنائها، وهي من أسمى العلاقات الفطرية، لا تتسم بالثبات المطلق. فمن الطبيعي أن تفيض الأمهات حبًا وحنانًا وانحيازًا لأبنائهن، لكن مجتمعاتنا أحيانًا تميل إلى قاعدة: «إن ضربك أحد فاضربه»، بينما نغفل عن مبادئ العفو والصفح والغفران، وعن فكرة «تكبير الدماغ» والتعايش مع الاختلاف الفكري والثقافي داخل المجتمع الواحد.

إن القول إن الأم تحب أبناءها حقيقة فطرية، لكن العلاقات عمومًا ليست محصّنة من المرض. حتى في عالم الحيوان، قد تضطر القطة الجائعة إلى أكل بعض صغارها، في إشارة إلى أن الظروف القاسية قد تشوّه الفطرة. فالعلاقات قد تمرض، وقد تتعرض لانتكاسات، وبعضها يصاب بأورام خبيثة يصعب علاجها، فتكون نهايتها واضحة مهما حاولنا إنعاشها، سواء كانت علاقة صداقة، أو زواج، أو زمالة عمل، أو قرابة من الدرجة الأولى.

كل علاقة تمرّ بفصول أربعة تشبه الفصول المناخية: صيف حار فيه عطش وقحط، ثم خريف تتساقط فيه الأوراق، ثم شتاء بارد قد تتجمّد فيه المشاعر، ثم يأتي ربيع قصير يمنح الأمل من جديد. بعض العلاقات تصبح جامدة إلى حدّ أنك تشعر بأنك متجمّد داخلها، لا روح فيها ولا طفولة ولا خفّة. كم من علاقات ماتت بردًا وجوعًا عاطفيًا!

إن قانون الأخذ والعطاء هو أساس نجاح أي علاقة في الكون، والتكافؤ مطلب رئيس فيها. كم حاولنا إنعاش علاقات بمواقف لا تستدعي كل ذلك الجهد أو التصعيد، لكنها بردت حتى تجمّدت ثم ماتت. بعدها تبدأ مرحلة التجاوز: كيف تتجاوز أشخاصًا مرّوا في حياتك وخلّفوا ذكريات وجملًا وضحكات وطقوسًا مشتركة؟ طقوس القهوة، أو السفر، أو يوم الجمعة، أو لحظات الراحة والاستكنان.

في هذه الحياة قد نمرّ بعلاقات لا تستحق المحاولة أصلًا: شخص حسود، وآخر غيور، وثالث منافس شرس يحاول إيقاعك بتأويل كلامك وتحريف نواياك وتشويه حضورك. وهنا يبرز السؤال: كيف ننجو من علاقة إنسانية فاشلة؟ ما حجم الأذى النفسي والروحي حين تُغتال البراءة وصفاء النية؟ حين نكتشف أن عبارات التحفيز عن نقاء الناس وأن «الدنيا بخير» لا تنطبق دائمًا على الواقع؟

هل يجب أن نتسلح بسوء النية حتى يثبت العكس؟ أم نتعامل بحسن نية مع حدود واضحة؟ لعلّ الإجابة تكمن في التوازن: أن نمنح بوعي، ونثق بحذر، ونحافظ على ذواتنا دون أن نفقد إنسانيتنا. فالعلاقات ليست معارك نخوضها، بل مساحات نتعلم فيها حدودنا، وننضج عبرها، ونختار فيها من يستحق البقاء ومن يجب أن نودّعه بسلام.

د. بسمه راشد الغفيلي

Tags :

About Author

Dr. Basmah Alghufali is a behavioral intelligence coach with years of experience helping individuals and organizations develop self-awareness, empathy, and emotional regulation skills.

Search Article

Categories

More Articles to Read